AL MARSAD AL SHABABI

الحنين إلى الماضي في غزة: هل ينفع القلب المُنهك؟

ماذا عن من نشأوا تحت وطأة الحروب والفقدان؟ هل يظل الحنين مصدراً للراحة والدفء، أم يتحول إلى جرح مفتوح يذكرهم بفجوةٍ مؤلمة بين ماضٍ قد يكون أكثر إشراقاً وحاضرٍ قاسٍ؟

الصحة النفسية

المشاركة المدنية

مارس 25, 2025

هشام ابو ريان، ياسمين ابو محسن

شارك البحث

الملخص

عندما يتذكّر القلب الأيام الخوالي

 

إنه ذلك الشعور الدافئ الذي يغمرك عندما تستمع إلى أغنية من زمنٍ مضى، أو تشم رائحة تذكرك بمنزل جدتك، أو تتذكر لحظات منسية مع أحبائك. إنه الحنين، ذلك التوق العاطفي إلى الماضي الشخصي. لطالما صورت الأبحاث النفسية الحنين كصديقٍ حميم للنفس، يمنحنا المشاعر الإيجابية ويقوّي روابطنا الاجتماعية، ويمنح حياتنا معنى، ويدعم تقديرنا لذاتنا وتفاؤلنا.

 

لكن ماذا عن أولئك الذين لم تكن طفولتهم مفروشةً بالورود؟ ماذا عن من نشأوا تحت وطأة الحروب والفقدان؟ هل يظل الحنين مصدراً للراحة والدفء، أم يتحول إلى جرح مفتوح يذكرهم بفجوةٍ مؤلمة بين ماضٍ قد يكون أكثر إشراقاً وحاضرٍ قاسٍ؟

 

هذا السؤال المحوري قاد باحثين إلى قطاع غزة، لدراسة تأثير الحنين على شبابٍ عاشوا تحت وطأة ظروفٍ استثنائية. تابع معنا نتائج هذه الدراسة التي تكشف عن علاقة معقدة بين الحنين والقوة النفسية في مواجهة المحن.

النتائج الرئيسية

غياب الأفق: عندما يكون المستقبل غامضاً أو متشائماً، فإن النظر إلى الوراء بلهفة قد يقلل من الطاقة الموجهة للأمام، ويضعف الشعور بالأمل والإلهام اللذين يحتاجهما الإنسان للاستمرار. 3. طبيعة الذكريات: ربما تحمل الذكريات الحنينة لأولئك الذين عاشوا صعوبات متكررة بصمات عاطفية مختلطة (سعادة مرتبطة بحزن)، مما يجعل استرجاعها أقل إيجابية.

ثقل الواقع: في السياقات التي يهيمن عليها الشقاء المستمر، قد تطغى ذكريات الماضي الإيجابية على واقع الحاضر القاسي، مما يخلق فجوة عاطفية مؤلمة بدلاً من أن تكون مصدر عزاء. ذاكرة الحفلة الجميلة قد تذكرك فجأة بأنك لم تعد قادراً على تنظيم واحدة مثلها.

غياب الأفق: عندما يكون المستقبل غامضاً أو متشائماً، فإن النظر إلى الوراء بلهفة قد يقلل من الطاقة الموجهة للأمام، ويضعف الشعور بالأمل والإلهام اللذين يحتاجهما الإنسان للاستمرار. 3. طبيعة الذكريات: ربما تحمل الذكريات الحنينة لأولئك الذين عاشوا صعوبات متكررة بصمات عاطفية مختلطة (سعادة مرتبطة بحزن)، مما يجعل استرجاعها أقل إيجابية.

الحنين إلى الماضي في غزة: هل ينفع القلب المُنهك؟

قلبٌ واحد، واقعان مختلفان

العينة: شارك في التجربة 416 طالباً وطالبة جامعيين من غزة، تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً.

المنهجية: قُسّم المشاركون عشوائياً إلى مجموعتين:

  • مجموعة الحنين: طُلب منهم استحضار ذكرى تثير فيهم الحنين والشعور بالتوق إلى الماضي.
  • مجموعة التحكم: طُلب منهم التفكير في حدث عادي من الأسبوع الماضي.

القياس: قيّم الباحثون بعد ذلك مجموعة من المؤشرات النفسية لدى المشاركين، بالإضافة إلى قياس سمة “المرونة النفسية” لديهم – وهي قدرة الفرد على النهوض بعد الشدائد والمضي قدماً.

قلبٌ واحد، واقعان مختلفان

العينة: شارك في التجربة 416 طالباً وطالبة جامعيين من غزة، تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً.

المنهجية: قُسّم المشاركون عشوائياً إلى مجموعتين:

  • مجموعة الحنين: طُلب منهم استحضار ذكرى تثير فيهم الحنين والشعور بالتوق إلى الماضي.
  • مجموعة التحكم: طُلب منهم التفكير في حدث عادي من الأسبوع الماضي.

القياس: قيّم الباحثون بعد ذلك مجموعة من المؤشرات النفسية لدى المشاركين، بالإضافة إلى قياس سمة “المرونة النفسية” لديهم – وهي قدرة الفرد على النهوض بعد الشدائد والمضي قدماً.

الحنين ليس دواءً شاملاً

 

كشفت النتائج عن صورة أكثر تعقيداً مما هو شائع في الأدبيات النفسية الغربية. لم يكن للحنين التأثير الإيجابي المعمم الذي يُلاحظ عادةً. بدلاً من ذلك، ظهرت المرونة النفسية كعامل حاسم يحدد اتجاه التأثير، وكأنها مفتاح يقرر ما إذا كان الحنين سيكون بلسماً للجراح أم مذكراً بالألم.

 

للتوضيح، إليك كيف أثر الحنين على الأفراد بناءً على مستوى مرونتهم النفسية:

 

  • على المستوى العاطفي (المشاعر الإيجابية):
  • ذوو المرونة العالية: ازدادت مشاعرهم الإيجابية (مثل السعادة والحماس) عند استحضار الذكريات الحنينة.
  • ذوو المرونة المنخفضة: انخفضت مشاعرهم الإيجابية بشكل ملحوظ عند استحضار الذكريات الحنينة.
  • على مستوى الفوائد النفسية:
  • التواصل الاجتماعي: كان هذا هو الفائدة الوحيدة التي تحققت للمجموعة ككل، حيث عزز الحنين الشعور بالارتباط بالآخرين. لكن هذا التأثير أيضاً كان أقوى بكثير لدى الأفراد ذوي المرونة العالية.
  • معنى الحياة وتقدير الذات والتشاؤم والإلهام:
  • ذوو المرونة العالية: لم يسجلوا زيادة في هذه الجوانب، لكنهم لم يتأثروا سلباً.
  • ذوو المرونة المنخفضة: أظهرت النتائج انخفاضاً واضحاً في إحساسهم بمعنى الحياة، وتقديرهم لذواتهم، وتفاؤلهم، وشعورهم بالإلهام.

 

باختصار: بينما عمل الحنين كـ “معزز” للمشاعر الإيجابية والروابط الاجتماعية لدى الأكثر مرونة، تحول إلى ما يشبه “المجهر” الذي يضخم مشاعر العجز والفراغ لدى الأقل مرونة.

 

الحنين ليس دواءً شاملاً

 

كشفت النتائج عن صورة أكثر تعقيداً مما هو شائع في الأدبيات النفسية الغربية. لم يكن للحنين التأثير الإيجابي المعمم الذي يُلاحظ عادةً. بدلاً من ذلك، ظهرت المرونة النفسية كعامل حاسم يحدد اتجاه التأثير، وكأنها مفتاح يقرر ما إذا كان الحنين سيكون بلسماً للجراح أم مذكراً بالألم.

 

للتوضيح، إليك كيف أثر الحنين على الأفراد بناءً على مستوى مرونتهم النفسية:

 

  • على المستوى العاطفي (المشاعر الإيجابية):
  • ذوو المرونة العالية: ازدادت مشاعرهم الإيجابية (مثل السعادة والحماس) عند استحضار الذكريات الحنينة.
  • ذوو المرونة المنخفضة: انخفضت مشاعرهم الإيجابية بشكل ملحوظ عند استحضار الذكريات الحنينة.
  • على مستوى الفوائد النفسية:
  • التواصل الاجتماعي: كان هذا هو الفائدة الوحيدة التي تحققت للمجموعة ككل، حيث عزز الحنين الشعور بالارتباط بالآخرين. لكن هذا التأثير أيضاً كان أقوى بكثير لدى الأفراد ذوي المرونة العالية.
  • معنى الحياة وتقدير الذات والتشاؤم والإلهام:
  • ذوو المرونة العالية: لم يسجلوا زيادة في هذه الجوانب، لكنهم لم يتأثروا سلباً.
  • ذوو المرونة المنخفضة: أظهرت النتائج انخفاضاً واضحاً في إحساسهم بمعنى الحياة، وتقديرهم لذواتهم، وتفاؤلهم، وشعورهم بالإلهام.

 

باختصار: بينما عمل الحنين كـ “معزز” للمشاعر الإيجابية والروابط الاجتماعية لدى الأكثر مرونة، تحول إلى ما يشبه “المجهر” الذي يضخم مشاعر العجز والفراغ لدى الأقل مرونة.

 

ليس كل حنينٍ شفاء

 

تكشف هذه الدراسة أن الحنين ليس شعوراً عالمياً الفائدة. تأثيره رهين بالسياق الذي يعيشه الإنسان وبقواه النفسية الداخلية. في بيئة مثل غزة، حيث يذكر تقرير الأمم المتحدة أن 81.5% من السكان يعيشون في فقر وأن 53.3% من الأطفال والمراهقين عانوا من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، فإن الحنين يفقد سحره المعتاد.

 

الرسالة الأهم هنا ليست أن على سكان غزة أو من يشبهونهم تجنب الذكريات الجميلة. بل أن الدعم النفسي والاجتماعي الذي يركز على بناء المرونة هو الأساس الذي يمكن أن يجعل من الذكريات الحلوة سنداً وعوناً، وليس مصدراً للألم. تطوير مهارات المواجهة، وتعزيز الشعور بالكفاءة الذاتية، وتوفير بيئات داعمة، كلها أمور تمنح الفرد “المناعة النفسية” التي تتيح له أن يستمتع بدفء الماضي دون أن يحترق بلهيب المقارنة مع الحاضر.

 

في النهاية، تذكرنا هذه الدراسة بأن القلب الذي يحمل جراحاً كثيرة يحتاج إلى معاملة خاصة. فقبل أن نقدم له دواء الذكريات، علينا أن نساعد على تضميد جراحه، وندعمه ليكون قوياً بما يكفي ليتذوق حلاوة الماضي دون أن يغرق في مرارة الحاضر.

ليس كل حنينٍ شفاء

 

تكشف هذه الدراسة أن الحنين ليس شعوراً عالمياً الفائدة. تأثيره رهين بالسياق الذي يعيشه الإنسان وبقواه النفسية الداخلية. في بيئة مثل غزة، حيث يذكر تقرير الأمم المتحدة أن 81.5% من السكان يعيشون في فقر وأن 53.3% من الأطفال والمراهقين عانوا من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، فإن الحنين يفقد سحره المعتاد.

 

الرسالة الأهم هنا ليست أن على سكان غزة أو من يشبهونهم تجنب الذكريات الجميلة. بل أن الدعم النفسي والاجتماعي الذي يركز على بناء المرونة هو الأساس الذي يمكن أن يجعل من الذكريات الحلوة سنداً وعوناً، وليس مصدراً للألم. تطوير مهارات المواجهة، وتعزيز الشعور بالكفاءة الذاتية، وتوفير بيئات داعمة، كلها أمور تمنح الفرد “المناعة النفسية” التي تتيح له أن يستمتع بدفء الماضي دون أن يحترق بلهيب المقارنة مع الحاضر.

 

في النهاية، تذكرنا هذه الدراسة بأن القلب الذي يحمل جراحاً كثيرة يحتاج إلى معاملة خاصة. فقبل أن نقدم له دواء الذكريات، علينا أن نساعد على تضميد جراحه، وندعمه ليكون قوياً بما يكفي ليتذوق حلاوة الماضي دون أن يغرق في مرارة الحاضر.

المراجع والروابط

  1. Abeyta, A. A., & Pillarisetty, S. (2023). Nostalgia supports a meaningful life. Current Opinion in Psychology, 49, 101520. https://doi.org/10.1016/j.copsyc.2022.101520
  2. Arnetz, J., Rofa, Y., Arnetz, B., Ventimiglia, M., & Jamil, H. (2013). Resilience as a protective factor against the development of psychopathology among refugees. The Journal of Nervous and Mental Disease, 201(3), 167–172. https://doi.org/10.1097/NMD.0b013e3182848afe
  3. Baltaci, H. S., & Karataş, Z. (2014). Validity and reliability of the resilience scale for early adolescents. Procedia-Social and Behavioral Sciences, 131, 458–464. https://doi.org/10.1016/j.sbspro.2014.04.148
  4. Barrett, L. F., & Russell, J. A. (1998). Independence and bipolarity in the structure of current affect. Journal of Personality and Social Psychology, 74(4), 967–984. https://doi.org/10.1037/0022-3514.74.4.967
  5. Basim, H. N., & Cetin, F. (2011). The reliability and validity of the resilience scale for adults-Turkish version. Türk Psikiyatri Dergisi, 22(2), 104–114.
  6. Batcho, K. I. (1998). Personal nostalgia, world view, memory, and emotionality. Perceptual and Motor Skills, 87(2), 411–432. https://doi.org/10.2466/pms.1998.87.2.411
  7. Carvajal, S. C., Baumler, E., Harrist, R. B., & Parcel, G. S. (2001). Multilevel models and unbiased tests for group based interventions: Examples from the safer choices study. Multivariate Behavioral Research, 36(2), 185–205. https://doi.org/10.1207/S15327906MBR3602_03
  8. Cheung, W. Y., Wildschut, T., Sedikides, C., Hepper, E. G., Arndt, J., & Vingerhoets, A. J. J. M. (2013). Back to the future: Nostalgia increases optimism. Personality and Social Psychology Bulletin, 39(11), 1484–1496. https://doi.org/10.1177/0146167213499187
  9. Ciaramella, M., Monacelli, N., Concetta, L., & Cocimano, E. (2022). Promotion of resilience in migrants: A systematic review of study and psychosocial intervention. Journal of Immigrant and Minority Health, 24, 1328–1344. https://doi.org/10.1007/s10903-021-01247-y
  10. Ehrensaft, E., & Tousignant, M. (2006). Immigration and resilience. In D. L. Sam & J. W. Berry (Eds.), The Cambridge handbook of acculturation psychology (pp. 469–483). Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/cbo9780511489891

  1. Abeyta, A. A., & Pillarisetty, S. (2023). Nostalgia supports a meaningful life. Current Opinion in Psychology, 49, 101520. https://doi.org/10.1016/j.copsyc.2022.101520
  2. Arnetz, J., Rofa, Y., Arnetz, B., Ventimiglia, M., & Jamil, H. (2013). Resilience as a protective factor against the development of psychopathology among refugees. The Journal of Nervous and Mental Disease, 201(3), 167–172. https://doi.org/10.1097/NMD.0b013e3182848afe
  3. Baltaci, H. S., & Karataş, Z. (2014). Validity and reliability of the resilience scale for early adolescents. Procedia-Social and Behavioral Sciences, 131, 458–464. https://doi.org/10.1016/j.sbspro.2014.04.148
  4. Barrett, L. F., & Russell, J. A. (1998). Independence and bipolarity in the structure of current affect. Journal of Personality and Social Psychology, 74(4), 967–984. https://doi.org/10.1037/0022-3514.74.4.967
  5. Basim, H. N., & Cetin, F. (2011). The reliability and validity of the resilience scale for adults-Turkish version. Türk Psikiyatri Dergisi, 22(2), 104–114.
  6. Batcho, K. I. (1998). Personal nostalgia, world view, memory, and emotionality. Perceptual and Motor Skills, 87(2), 411–432. https://doi.org/10.2466/pms.1998.87.2.411
  7. Carvajal, S. C., Baumler, E., Harrist, R. B., & Parcel, G. S. (2001). Multilevel models and unbiased tests for group based interventions: Examples from the safer choices study. Multivariate Behavioral Research, 36(2), 185–205. https://doi.org/10.1207/S15327906MBR3602_03
  8. Cheung, W. Y., Wildschut, T., Sedikides, C., Hepper, E. G., Arndt, J., & Vingerhoets, A. J. J. M. (2013). Back to the future: Nostalgia increases optimism. Personality and Social Psychology Bulletin, 39(11), 1484–1496. https://doi.org/10.1177/0146167213499187
  9. Ciaramella, M., Monacelli, N., Concetta, L., & Cocimano, E. (2022). Promotion of resilience in migrants: A systematic review of study and psychosocial intervention. Journal of Immigrant and Minority Health, 24, 1328–1344. https://doi.org/10.1007/s10903-021-01247-y
  10. Ehrensaft, E., & Tousignant, M. (2006). Immigration and resilience. In D. L. Sam & J. W. Berry (Eds.), The Cambridge handbook of acculturation psychology (pp. 469–483). Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/cbo9780511489891

المزيد من الأبحاث